ابن أبي العز الحنفي

82

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

مُتَعَدِّدٍ . فَإِذَا قُلْتُ : " أَعُوذُ بِاللَّهِ " ، فَقَدْ عُذْتُ بِالذَّاتِ المقدسة الموصوفة بصفات الكمال المقدسة الثَّابِتَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الِانْفِصَالَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ . وَإِذَا قُلْت : " أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ " ، فَقَدْ عُذْت بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ، وَلَمْ تعُذْ بِغَيْرِ اللَّهِ . وَهَذَا الْمَعْنَى يُفْهَمُ مِنْ لَفْظِ " الذَّاتِ " ، فَإِنَّ " ذَاتَ " فِي أَصْلِ مَعْنَاهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا مُضَافَةً ، أَيْ : ذَاتُ وُجُودٍ ، ذَاتُ قُدْرَةٍ ، ذَاتُ عِزٍّ ، ذَاتُ عِلْمٍ ، ذَاتُ كَرَمٍ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ . ف - " ذَاتُ كَذَا " بِمَعْنَى صَاحِبَةِ كَذَا : تَأْنِيثُ ذُو . هَذَا أَصْلُ مَعْنَى الْكَلِمَةِ . فَعُلِمَ أَنَّ الذَّاتَ لَا يُتَصَوَّرُ انْفِصَالُ الصِّفَاتِ عَنْهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَإِنْ كَانَ الذِّهْنُ قَدْ يَفْرِضُ ذَاتًا مُجَرَّدَةً عَنِ الصِّفَاتِ ، كَمَا يَفْرِضُ الْمُحَالَ . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ » . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ » . وَلَا يَعُوذُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ اللَّهِ . وَكَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ » . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ مِنْ تَحْتِنَا » . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ » . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمُ : الِاسْمُ عَيْنُ الْمُسَمَّى أَوْ غَيْرُهُ ؟ وَطَالَمَا غَلِطَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ ، وَجَهِلُوا الصَّوَابَ فِيهِ : فَالِاسْمُ يُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى تَارَةً ، وَيُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ أُخْرَى ، فَإِذَا قُلْتَ : قَالَ اللَّهُ كَذَا ، أَوْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ - فَهَذَا الْمُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى نَفْسُهُ ، وَإِذَا قُلْتَ : اللَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ ، وَالرَّحْمَنُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ ، وَالرَّحمن مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ - فَالِاسْمُ هَاهُنَا هُوَ الْمُرَادُ لَا الْمُسَمَّى ، وَلَا يُقَالُ غَيْرُهُ ، لِمَا فِي لَفْظِ الْغَيْرِ مِنَ الْإِجْمَالِ : فَإِنْ أُرِيدَ بِالْمُغَايَرَةِ أَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ الْمَعْنَى فَحَقٌّ ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَانَ وَلَا اسْمَ لَهُ ، حَتَّى خَلَقَ لِنَفْسِهِ أَسْمَاءً ، أَوْ حَتَّى سَمَّاهُ خَلْقُهُ بِأَسْمَاءٍ مِنْ صُنْعِهِمْ - فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ